>
<

طالبات.. مشاكل!

الدمام ـ بسمة محمد

مفاجأة

لطالما سمعت ديما (طالبة المرحلة المتوسطة) من صديقاتها عما يحدث في أرجاء المدارس الحكومية التي قرر والدها نقلها إليها: “تغيرت أشياء كثيرة بعد خسارة أبي الفادحة في سوق الأسهم، ومن هذه الأشياء مدرستي الأهلية التي اعتدت عليها منذ المرحلة التمهيدية، وما أن علمت زميلاتي بما عزم عليه والدي حتى بدأن يتحدثن عما تعانيه الطالبات في المدارس الحكومية من المعلمات والإداريات، من وسائل العقاب المختلفة وعلى رأسها الضرب”، ومنذ اليوم الأول وديما تتربص أن ينالها شيء من هؤلاء المعلمات، كان يدور في ذهنها أن أي خطأ قد يقع منها مآله إلى الضرب لا محالة من هؤلاء المعلمات، ولكن حدث ما لم يكن في حسبانها: “كنت واقفة في طابور المقصف؛ فما كان من إحدى الطالبات إلا أن زاحمتني لتقف أمامي، حاولت أن أستفسر منها عن سبب تصرفها، فما كان منها إلا أن رفعت صوتها فقابلتها بالمثل؛ الأمر الذي لفت انتباه المشرفة التي اقتربت منا ثم أخرجت الطالبة من الطابور؛ لتأمرها أن تقف في آخر الصف بعد أن أخبرتها بما حدث!”، اعتقدت ديما أن المسألة انتهت عند هذا الحد، ولكن حين خرجت من المدرسة وجدت الأنظار شاخصة إليها من قبل الطالبات: “الكل يرمقني بالنظر، هناك من تهز رأسها متأسفة لما سيحدث لي، وأخرى تهمس إلى زميلاتها، مشاهد أثارت الريبة والقلق في نفسي، وما راعني إلا تلك الطالبة وهي تنقض عليّ كالوحش المفترس، حاولت الدفاع عن نفسي، ولكن كبل دفاعي مجموعة من الطالبات اللاتي ساعدنها في ضربي واللاتي عرفت فيما بعد أنهن قريبات لها”، بعدما تعرضت ديما للضرب المبرح قرر والدها أن يعيدها إلى مدرستها السابقة، متحملا بذلك التكاليف التي تثقل كاهله في ظروفه المادية الصعبة، كل هذا من أجل أن يحمي ابنته من العنف.

فزعة

تقول مي الجبر (طالبة بالمرحلة المتوسطة): “لم تعد المضاربات بين الطالبات أمرا مستهجنا أو مثيرا للاستغراب، بل بات من المألوف رؤية هؤلاء الطالبات يتشاتمن بالألسن، ويشتبكن بالأيدي، ويترافسن بالأرجل. فلا يكاد يمر أسبوع واحد دون أن يكون لنا موعد مع هذه المشاهد المؤسفة”، وتشير الجبر إلى أن هذه المضاربات تكون – عادة – في الوقت الأخير من اليوم الدراسي،: “الأبدان منهكة، والنفسيات متعبة، والأجواء حارة. هذا ما يكون في آخر الحصص وقت الظهيرة؛ الأمر الذي يهيئ لمثل هذه المشادّات بينهن”، ومن الأمور التي تذكرها مي الجبر في هذه المضاربات، وهي – برأيها – تساهم في تصعيد الموقف، الفزعات: “فقد تبدأ المشكلة بطالبتين، ولكنها ما إن تبدأ حتى تشترك عشرات الطالبات، ونظام الفزعات يكون بين الأخوات، أو أبناء العمومة، بل يصل في أحايين كثيرة إلى بنات القبيلة الواحدة”، وعما يدعو البنات إلى هذا التناحر والتصادم تذكر مي أنها ما إن تسأل عن السبب حتى تجده – في الغالب – تافها لا يستحق النقاش، فضلا عن المضاربات.
جامعيات

ولم تعد هذه المضاربات حكرا على المراحل الدراسية العامة في المتوسطة والثانوية، بل وصلت حُمّاها إلى الجامعة. من هذا الجانب تشير عبير الجابر (طالبة جامعية) إلى تزايد هذه المشكلة بين الجامعيات. وعن الضوابط التي قد تتم من جراء هذه المشادّات من أفراد الأمن النسائي، تذكر الجابر أنهن لم يعدن يستطعن إيقاف هذا الأمر،: “على الرغم من وجود أفراد الأمن النسائي في الجامعة إلا أن كثرة المضاربات وشراستها تحول دون وقوفهن حيالها”، وتذكر في هذا الصدد أن بعض المضاربات تكون ذات نتائج خطرة،: “فهناك من تمزقت ملابسهن، وهناك – أيضا – من تعرضن إلى إصابات بليغة”. وتلفت الجابر النظر إلى أن العقوبة في الجامعات تصل إلى الحرمان من المواد الدراسية، وأحيانا إلى الفصل من الجامعة،: “ومع هذا لم ترتدع هؤلاء الطالبات من جراء هذه السلوكيات”.

طاقات مهدرة

وتعزو فوزية السنبل (معلمة) تنامي ظاهرة العنف بين الطالبات إلى عدم الاستغلال المثالي لطاقات الطالبات واحتوائهن،: “الطالبات في المدارس لديهن طاقات يجب استغلالها بطريقة ملائمة من خلال الأنشطة اللاصفية المتنوعة! إضافة إلى أن كثيرا من المعلمات يتعاملن مع الطالبات بأسلوب حازم يفتقد التفهم! آخذات بالاعتبار العقاب قبل الاستماع؛ الأمر الذي يفقدها الجانب التربوي الذي من شأنه تقويم سلوك الطالبات”. وتشير السنبل إلى أن الطالبات يحتجن إلى المرونة في التعامل من قبل المعلمات،: “فعلى المعلمة أن تتكيف مع اختلاف الأجيال وتحسن التعامل بما يتوافق مع احتياجاته، بتعزيز لغة الحوار التي من شأنها أن تحد من هذه السلوكيات”، كما تشير إلى أن اختلاف البيئات الاجتماعية بالنسبة إلى الطالبات تلعب دورا كبيرا في ازدياد هذه السلوكيات ونقصانها تبعا للبيئة!: “كنت في إحدى المدارس المعروفة بمثل هذه المشكلات في فترة انتداب، وكنت أفاجأ بمنظر الطالبات! ففي الحصة الأولى أجد إحداهن سليمة المظهر، ولكن ما إن تأتي الحصة الرابعة حتى أجدها في مظهر يثير الشفقة: فالشعر المنفوش والوجه الملفع بآثار الجراح، يكشفان ما كان في الفسحة من مشادّات ومضاربات”.

زحمة

“تكثر مثل هذه المناوشات بين طالبات المدارس الحكومية، بينما يندر حدوثها في المدارس الأهلية”، بهذه العبارة تدلي بشائر عبدالواحد (طالبة بمدرسة أهلية) برأيها في القضية التي تؤكد فيها خلو المدارس الأهلية من هذه السلوكيات – الهمجية – على حد وصفها، وتضيف: “أستغرب من هذه التصرفات الشائنة التي لا تمتّ للأخلاق بصلة ولا لطبيعة الفتاة الأنثوية التي يفترض أن تكون ذات رقة ونعومة، لا أن تكون شرسة الطباع”، وعن السبب في وجود هذه السلوكيات في المدارس الحكومية – تحديدا – تذكر،: “أعتقد أن هذا يُعزى إلى تنوع الأعداد الكبيرة التي تضمها المدارس الحكومية، حيث نجد بالفصل الواحد 45 طالبة، وفي المدرسة تصل أعداد الطالبات إلى الألف؛ فتصعب هنا عملية ضبط السلوك من قبل إدارة المدرسة”.
متزايدة

وتذكر ابتسام صالح (معلمة) أنها شهدت عدة مضاربات بين الطالبات في المدرسة التي عينت بها أخيرا برغم وجودي منذ مدة لا تتجاوز الشهر،: “ومع هذا لاحظت كثرة هذه المشاحنات والمضاربات رغم أني لم أقض في هذه المدرسة سوى فترة قصيرة، بل إني لاحظت أنها في تزايد؛ ففي كل أسبوع تكون المضاربات أشرس وأكثر من الأسبوع الذي قبله؛ الأمر الذي ينذر بمخاطرها”، وعن تعاملها مع هذه المشكلات تذكر،: “لا أتدخل البتة في فض هذه الاشتباكات؛ خوفا على نفسي من أن يلحقني مكروه منهن”، وعن الحل الناجع برأيها تضيف،: “أرى أن حسم الدرجات من السلوك هو الحل المناسب الذي يفترض أن تتخذه إدارة المدرسة تجاه الطالبات المتشاجرات، إلى جانب كتابة التعهدات، واستدعاء ولي أمر الطالبة للحد من هذه المشكلات التي باتت تشكل ظاهرة في عدد من المدارس”.

مديرة مركز تربوي:

يجب تضافر الجميع للحد من المشكلة

ذكرت هند الهاشم (مديرة مركز الإشراف التربوي بالدمام) أن ظهور العنف المدرسي يرجع إلى عدة عوامل قد تكون أسرية أو ثقافية أو نفسية، وعن الحد من هذه المشكلة تضيف: "أجد أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب تضافر جهود الجميع من خلال منسوبات المدرسة الواحدة عن طريق تفعيل دور الإرشاد الطلابي ومشرفة المصلى، وكذلك تفعيل دور المساعدة في شؤون الطالبات والاختبارات من ناحية، وتقوية العلاقة بين المدرسة والبيت عن طريق توجيه سلوكهن بشكل إيجابي"، كما تشدد الهاشم على تكثيف الملاحظة بشكل مستمر على الأبناء ووضع الضوابط المناسبة لوسائط الاتصال المتعددة والمنتشرة حاليا بين أيدي الجميع للحد من التأثيرات السلبية بشكل عام، وعن الإجراءات المتبعة في حالة العنف والمشاجرات بين الطالبات تضيف الهاشم: "هناك عدة خطوات متبعة من قبل المدرسة منها: تكثيف دور الإرشاد الطلابي بالمدرسة عن طريق دراسة حالة الطالبة المعنية بصورة انفرادية، ووضع الخطط العلاجية لها من جميع الأطراف المعنية بالمدرسة، وتطبيق ضوابط لائحة السلوك والمواظبة بصورة تدريجية على طالبات المرحلتين المتوسطة والثانوية، وكذلك تكثيف دور التوعية الإسلامية، ونشر الوعي الديني بين الطالبات، ومن المهم – أيضا - تفعيل الأدب النبوي بين الطالبات".

اختصاصية اجتماعية: مشكلة تنتشر بشكل كبير بين الطالبات

أكدت خديجة داري (اختصاصية اجتماعية) أن عنف الفتيات أخذ في الانتشار وبشكل كبير: ”وهذا الأمر يحدث في جميع المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية بل حتى المراحل الجامعية”، وعن أسباب هذه المشكلة تضيف:” من أهم أسباب انتشار العنف ضد الطالبات التفكك الأسري الذي تنعكس سلبياته على الطالبة في داخل أسوار المدرسة كحالات الطلاق بين الوالدين، كما أن للغيرة بين فتيات المدارس والجامعات دورا في هذا، وكذلك عدم وجود أنظمة رادعة لهذه التصرفات فمن أمن العقاب أساء الأدب، إضافة إلى القنوات الفضائية التي ساهمت في غرس مشاهد العنف في أذهان الفتيات”.



جريدة شمس - جميع الحقوق محفوظة © 2014

ارسل
إلغاء

يعتقد اسمك أنك ستحب قراءة هذا المقال من موقع جريدة جريدة شمس.

ارسل
إلغاء